عبد الملك الجويني

294

الشامل في أصول الدين

وربما وجهوا علينا سؤالا من وجه آخر فقالوا : قد أثبتم للّه تعالى صفتين سمعا وهما اليدان ، وزعمتم أن العقل لا يدل عليها ، وتجويز أيد كتجويز يدين ، فينبغي أن يقتضي الاختصاص بصفتين مخصصا كما ادعيتموه في الجهات . وربما ألزمونا اختصاص كلام اللّه تعالى بكونه أمرا ببعض المأمورات مع جواز تعديها عنها إلى ما سواها ، فيجب افتقار الكلام إلى مخصص خصص تعليقه على حكم الأمر ببعض المأمورات دون بعض . فهذه أسئلة المعترضين ، ونحن نوضح الانفصال عنها إن شاء اللّه . فأما الجواب عن قولهم : إن الاختصاص ببعض الجهات ليس من حكم الجائزات ، فقد سلك أئمتنا في ذلك مسلكين : فذهب الأستاذ في بعض مجاري كلامه إلى أن : المتحيز المختص بجهة يدرك بضرورة العقل تجويزه في أخرى بدلا من التي اختص بها ، وكذلك القول في جميع المتحيزات المختصة بالجهات . وهذه طريقة لا نرتضيها ، والأولى سلوك طرق الحجاج . قلنا : في الحجاج سبل تتضح مآخذها . أقربها أن نقول : إذا قدرنا بعض الجواهر لابثا ماكثا في بعض الأقطار ، مستقرا في بعض الأحياز ، فلا خلاف بيننا وبين مخالفينا في الجهات ، أنها تدرك جواز اختصاصه بحيزه . وسبيل التوصل إلى ذلك النظر . فنسائل خصومنا عن ما دلهم على ذلك في الجوهر المستقر في حيزه ؟ فلا يبدون على ذلك دليلا إلا لزمهم مثله في القديم على زعمهم . فإنهم إن قالوا : الدال على جواز ذلك فيه أن ذاته لا تؤثر فيها بعض الجهات ، وهي لا تؤثر في بعضها ، فلا معنى لتقدير اختصاصها وجوبا ، وهذا بعينه ينقلب عليهم فيما فيه الكلام . والذي يوضح ما قلناه : أن أصلهم : أن الدال على حدث الجواهر الأكوان دون ما عداها من الأعراض . وإنما قالوا ذلك من حيث اعتقدوا جواز تعري الجواهر عن جميع الأعراض إلا عن الأكوان . ونفي قبول الحوادث عند مخالفينا لا يدل على حدث قابلها ، إذ القديم ، تعالى عن قولهم ، يقبل الحوادث ، ولكن من حيث جاز خلوه منها عندهم ، لم يدل على حدثه . فنقول لهم : لو خلق اللّه تعالى جواهر العالم ساكنة مستقرة ، راكدة ، لابثة ، فكيف كان يكون الاستدلال بالأكوان على حدث الجواهر ؟ ولا يرجعون عند توجيه الطلبة عليهم إلا أن يقولوا : كل جوهر مختص بحيز يجوز تقدير تبدل الحيز عليه ، وهذا يلزمهم مثله في القديم تعالى .